القاضي عبد الجبار الهمذاني

283

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وقال شيخنا أبو هاشم : ما روى من تأخره عن بيعة أبى بكر أربعين صباحا ، وقال قوم : ستة أشهر ، والأقرب أنه تأخر لاستيحاشه منهم من حيث استبدوا بالأمر ولم يتربصوا بإبرام العقد حضوره فإنما تأخر أياما يسيرة وإنما كان أربعين يوما ، ولم يكن أبو بكر يلتمس منه المبادرة فيكون مخالفا عليه ، وكيف يكون مخالفا وهو الّذي أشار عليه بقتال أهل الردة وكان ذلك في أول أيامه ، وأنكر على أبي سفيان قوله : أرضيتم يا بنى عبد مناف أن تلى عليكم تيم ؟ امدد يدك أبايعك ، فلأملأنها خيلا ورجلا . بأن قال : أمسك عليك فطالما « 1 » غششت الإسلام . ولو كان ينكر إمامة أبى بكر لم يخف أن يظهر ذلك كما أظهره أبو سفيان ، وكان ذلك من أبي سفيان حدثان ؟ ؟ ؟ « 2 » وقوع البيعة . وقد قال له العباس لما توفى النبي عليه السلام : « امدد يدك أبايعك ، وآتيك بهذا الشيخ من قريش ، فيقال : إن عم رسول اللّه بايع ابن عمه ، يعنى بالشيخ أبا سفيان ، فلا يختلف عليك من قريش اثنان ، والناس تبع لقريش . فامتناعه مع فضله في دينه يدل على أنه لم يدع الحق لنفسه ، وإلا فقد كان يجد أنصارا كالعباس والزبير وأبي سفيان وخالد بن سعيد / بن العاص وسائر من يذكرهم الإمامية ، « 3 » ولا يجب أن يكون تأخره دلالة على فقد الرضا ، بل كان راضيا ببيعته من حيث كان ينفذ الأمور فلا ينكر ، ولا يجب بعد وقوع الصحيح إلا الرضا بإمامته والمعاضدة له وقد كان ذلك حاصلا من أمير المؤمنين ، فإن كان قد تأخر لاشتغاله بالنبي عليه السلام ، وقد كان بينه وبين العباس شبيه بالوحشة ولم يكن كل واحد منهما إلا مواليا لثان ، فكذلك في تأخره واستيحاشه من حيث استبدوا بالأمر دونه لا يدل على أنه لم يكن راضيا ، ولذلك لما طلب منه الحضور والمعاضدة حضر لا محالة ، وعلى أن هذا الوجه يحمل تأخر غيره عن بيعة أبى بكر ، وإنما يطعن ذلك في إمامته لو ظهر منهم النكير أو خلاف ، أو اشتد عليهم في الحضور للبيعة فامتنعوا من غير عذر .

--> ( 1 ) في الأصل ( فطال ما ) ( 2 ) كذا في الأصل ، ولعلها : حدثان ( 3 ) في الأصل : للامامية